القرطبي

37

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

الثانية : ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب اللّه ، وأنبياؤه ورسله ، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين ؟ كما قال في قصة إبراهيم : « أما إنا قد هوّنا عليك » . فالجواب : « أن أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » كما قال نبينا عليه السلام ، خرّجه البخاري وغيره « 1 » . فأحبّ اللّه أن يبتليهم تكميلا لفضائلهم لديه ، ورفعة لدرجاتهم عنده ، وليس ذلك في حقهم نقصا ، ولا عذابا . بل هو كما قال كمال رفعة ، مع رضاهم بجميل ما يجري اللّه عليهم ، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد ، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم ، ليرفع منازلهم ، ويعظم أجورهم قبل موتهم . كما ابتلي إبراهيم بالنار ، وموسى بالخوف والأسفار ، وعيسى بالصحاري والقفار ، ونبينا محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار ، كل ذلك لرفعة في أحوالهم ، وكمال في درجاتهم . ولا يفهم من هذا أن اللّه شدّد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخطئين فإن ذلك عقوبة لهم ، ومؤاخذة على إجرامهم فلا نسبة بينه وبين هذا . فصل إن قال قائل : كل المخلوقات تجد هذه السكرات ؟ قيل له : قال بعض العلماء : قد وجب بحكم القول الصدق ، والكلمة الحق ، أن الكأس مر المذاق ، وإن قد ذيق ويذاق ، ولكن ثمّ فريقان ، وتقديرات وأوزان ، وإن اللّه سبحانه وتعالى لما انفرد بالبقاء وحده لا شريك له ، وأجرى سنة الهلاك والفناء على الخلق دونه ، خالف في ذلك جلّ جلاله بين المخلوقات ، وفرّق بين المحسوسات ، بحسب ما خالف بين المنازل والدرجات ، فنوع أرضي حيواني ، إنساني وغير إنساني ، وفوقه عالم روحاني ، وملأ علواني رضواني ، كلّ يشرب من ذلك الكأس جرعته ، ويغتص منه غصته . قال اللّه تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] قال أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » : وثبت ذلك في ثلاثة مواضع من كتابه ، وإنما أراد سبحانه بالموتات الثلاث للعالمين : فالمتحيز إلى العالم الدنيوي يموت ، والمتحيز إلى العالم الملكوتي يموت ، والمتحيز إلى العالم الجبروتي يموت . فالأول آدم وذريته وجميع الحيوان على ضروبه ، والملكوتي وهو الثاني

--> ( 1 ) لم يخرجه البخاري ؛ إنما أخرجه أحمد ( 1 / 174 ) والترمذي ( 2399 ) وابن ماجة ( 2024 ) والحاكم ( 3 / 243 ) وغيرهم ، وهو صحيح ، انظر « سلسلة الأحاديث الصحيحة » رقم ( 143 ) .